أحمد بن أعثم الكوفي
290
الفتوح
قال : وجعل أصحاب مصعب ينادون المختار من خارج القصر ويقولون : يا ابن دومة ! كيف ترى ما أنت فيه من الحصار ، هذا جزاء من خالف على أمير المؤمنين عبد الله ( 1 ) بن الزبير وطلب الأمر لغيره ! قال : فأشرف عليهم المختار من أعالي القصر ثم قال : يا جند المرأة ! يا أعوان البهيمة ! يا بقايا السيف ! أتعيرونني بأمي دومة ، حسناء الحومة ، التي لا تسمع فيها اللائم لومة ، أما والله لو كان من يعيرني بدومة من الفريقين عظيما لما عيرني بها ، ولكن إن كنتم رجالا فاثبتوا لي قليلا ، فوالله لأقاتلنكم قتال مستقل قد أئس من الحياة . قال : ثم نزل المختار عن حائط القصر ، فصب عليه سلاحه واستوى على فرسه ، وجعل يتمثل بقول قيس غيلان بن سلمة بن معتب ( 2 ) الثقفي وهو يقول : ولو يراني ( 3 ) أبو غيلان إذ حسرت * عني الهموم بأمر ما له طبق لقال ( 4 ) رعبا ورهبا يجمعان معا * غنم الحياة وهول النفس والشفق والموت أحمد شيء بالكريم إذا * ما قاله الدهر والآجال تخترق ( 5 ) قال : ثم أمر بباب القصر ففتح ، وخرج في نحو من مائتي رجل ممن يثق بهم ، فكر على أصحاب مصعب فهزمهم حتى ركب بعضهم بعضا . قال : ونظر إليه رجل من أصحاب البصرة يقال له يحيى بن ضمضم ( 6 ) الضبي ، وكان إذا كرب خطت رجلاه في الأرض لطوله ، ولم يكن في أصحاب مصعب بن الزبير أفرس منه ، فحمل على المختار ليضربه وضربه ، فاستقبله المختار بضربة على جبينه أطار قحف رأسه فخر صريعا ، وحملت الكتائب على المختار من كل جانب ، فجعل يحاربهم ويرجع إلى ورائه حتى دخل القصر ، واشتد الحصار على القوم ، فجعل السائب بن مالك الأشعري يتمثل بقول عبيد الله بن حذاق حيث يقول أبياتا مطلعها :
--> ( 1 ) الأصل : عبيد الله . ( 2 ) عن الطبري 6 / 107 وبالأصل : مغيث . ( 3 ) عن الطبري ، وبالأصل : تراني . ( 4 ) عن الطبري ، وبالأصل : فقلت . ( 5 ) البيت في الطبري : إما تسف على مجد ومكرمة * أو إسوة لك فيمن تهلك الورق ( 6 ) عن الطبري 6 / 106 وبالأصل : ظمظم .